الإسلام و السياسة
في أيامنا هذه لا يكان مرارا نسمع أن الدين و السياسة متعارضان و مختلفان ولا يمكن إتحادهما. لذلك بعضهم يقولون " ليس في السياسة دين, و ليس في الدين سياسة". و هذا الكلام يوصل سامعيه إلى أن يزعم أنه لا يحتاج الدين إلى السياسة, ولا داعي له. و هذه الفكرة حقيقة من المؤمرات الخبيثة والمعلومات الهشة لعدم التفتيش بما جاء به الإسلام من التعليمات و العمليات بشكل منطقي و منهجي
فلمن جاء بهذه التيارات الفكرة البعيدة عن جادة الصواب, لابد من النظر و التفتيش إلى الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية التي تشير إلي فعل سياسة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكذا التاريخ الإسلامي, لما فيه من العمليات السياسية التي قام به النبي صلى الله عليه وسلم و أصحابه رضي الله عنهم
كما يتصور من قبل أن بعض الناس يعتقدون بوجود التعارض بين الدين و السياسة, و الآن نفهمهما من خلال المعاني اللغوية و التواريخ الإسلامية التي تستنبط من الأحاديث النبوية و الآيات القرآنية لظهور العلاقات بينهما. علمنا أن كلمة "الإسلام" وهو مأخوذ من "السلم" بمعى الخضوع و الإستسلام
أي أن الإسلام يلزم على من فيه من الخضوع و الإقبال بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من ربه عز وجل بالتمام وهو إما جسدا و عقلا و قلبا. وأما السياسة هي مأخوذة من " السوس" وهو بمعنى الرئاسة و السيطرة, ومن قام به يقال " السائس". وهي الأمور المتعلقة بالسيطرة و الدواعي للحصول على الأغراض المعينة حسب القرارات المشتركة المتفق عليها
ولو كانت كلمة السياسة لم توجد في آيات القرآن الكريم, وكذا مشتقاتها, لا يعني بالضرورة أنها لا يديرها الإسلام في ذلك المجال. وإنما هي تبحث بورود الكلمة المترادفة في معناها. وذلك كثيرا ما جاءت الآيات القرآنية لمثلها, ككلمة العقيدة و الفضيلة. فإنهما لم توجد في آي آيات القرآن, ولا يمكن أنهما غير دائرة من المباحث الدينية.
ومنطقي من ذلك المنطلق أن الكلمة لو لم توجد لفظها في آيات القرآن لا تتعين أنها لا تبحث و لا تعتبر. فمن البرهان من الآحاديث النبوية قوله : "لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين" ولاشك أن الخيانة منهية في عمليتنا اليومية و خاصة في السياسة. و المراد من هذا الحديث هو منعه صلى الله عليه وسلم على الإيماء بعينيه لتنفيذ حكم الإعدام على ابن سَرَحٍ الذي ارتدَّ عن الإسلام وألحق به ضررًا كبيرًا، ولكن عندما حُكِمَ عليه بالموت، جاء إلى النبي ﷺ يطلب العفو ويُعلن الشهادتين من جديد.
والبرهان من التارخ الإسلامي على وجود السياسة في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم. و البرهان على وجودها في عصره صلى الله عليه وسلم كفعله في صلح الحديبية وذلك بعهده صلى الله عليه وسلم بكفار القريش على إقامة الصلح خلال عشر سنوات. و كقراراته صلى الله عليه وسلم التي تسمى بصحيفة المدينة 622H , فإنها أسمى أثر سياسي في هذا العالم, وهي مقدم على الوثيقة العظمى (Magna Carta) التي قررتها الإنجليزية خلال 1215 M وهي تقريبا ستمائة سنوات بعد وجود صحيفة المدينة
وكذا من أصحابه صلى الله عليه وسلم, لا شك أنهم أدوا السياسة في حياتهم خاصة بعد وقاة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم, كتعيين أبي بكر الصديق خليفة لرسول الله بطريق الشورى بين المهاجرين و الأنصار, و كتعيين عمر بن الخطاب خليفة لأبي بكر الصديق - وهو أمير المؤمنين - بطريق الوصية, وتعيين عثمان بطريق تعيينا مباشرا.
وقد كثر المثال الآخر في وجود فعل النبي و أصحابه في السياسة. و النقط المهمة من ذلك أن لا تعارض بين السياسة و الإسلام, بل بينهما علاقة وثيقة. و هي من الأمور الضرورية التي لابد في الإسلام من وجودها. ولما كان الهدف من السياسة إقامة العدل و مصلحة الناس و درئ المفاسد فلا شك أنها من الأمور التي أوجبالإسلام على جميع البشر. والله أعلم بالصواب.
الصاحب عبد الله جلال الدين الرومي
عضو في حركة اتحاد طلبة الإسلام الإندونيسي - لجنة كلية الدراسات الإسلامية - فرع تشيبوتات
المحررة: الصاحبة فطري